الحلبي
357
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
الفترة ، ودفن بالحجون فلم يكن مسلما ، ويؤيده ما جاء في رواية في سندها ضعف عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه مات على نصرانيته . وهذا يدل على أن من أدرك النبوة وصدّق بنبوّته صلى اللّه عليه وسلم ولم يدرك الرسالة بناء على تأخرها لا يكوم مسلما بل من أهل الفترة ، فلما توفي ورقة قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لقد رأيت القس يعني ورقة في الجنة وعليه ثياب الحرير » أي والقس بكسر القاف : رئيس النصارى ، وبفتحها تتبع الشيء . هذا ، وفي القاموس : القس مثلث القاف : تتبع الشيء وطلبه كالتقسس ، وبالفتح صاحب الإبل الذي لا يفارقها ، ورئيس النصارى في العلم . وفي رواية « أبصرته في بطنان الجنة وعليه السندس » وفي رواية « قد رأيته ، فرأيت عليه ثيابا بيضا ، وأحسبه - أي أظنه - لو كان من أهل النار لم تكن عليه ثياب بيض » . أقول : صريح الرواية الثالثة أنه لم يره في الجنة ، فقد تعددت الرؤية . وأما الرواية الثانية فلا تخالف الرواية الأولى لأن السندس من أفراد الحرير ، فلا دلالة في ذلك على التعدد ، واللّه أعلم . وفي رواية « لا تسبوا ورقة فإني رأيت له جنة أو جنتين لأنه آمن بي وصدقني » : أي قبل الدعوة التي هي الرسالة ، وحينئذ يكون معنى قوله له : « جنة أو جنتين » هيئت له جنة أو جنتان ، ولا مانع أن يكون بعض أهل الفترة من أهل الجنة ، إذ لو كان مسلما حقيقة بأن أدرك الدعوة وصدّق به لم يقل فيه صلى اللّه عليه وسلم : « وأحسبه لو كان من أهل النار لم يكن عليه ثياب بيض » وجزم ابن كثير بإسلامه . قال بعضهم : وهو الراجح عند جهابذة الأئمة : أي بناء على أنه أدرك الدعوة إلى اللّه تعالى التي هي الرسالة . ففي الإمتاع أن ورقة مات في السنة الرابعة من المبعث ، ويوافقه ما يأتي عن سيرة ابن إسحاق ، وعن كتاب الخميس . وحينئذ يكون قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لأنه آمن بي وصدقني » واضحا ، لكن ينازع في ذلك قوله : « وأحسبه لو كان أهل النار لم يكن عليه ثياب بيض » وسيأتي عن الذهبي ما يخالفه . ويخالفه أيضا ما تقدم عن سبط ابن الجوزي أنه من أهل الفترة . وعن يحيى بن بكير قال : سألت جابر بن عبد اللّه ، يعني عن ابتداء الوحي ، فقال : لا أحدثك إلا ما حدثنا به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « جاورت بحراء ، فلما قضيت جواري هبطت فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئا ، فنظرت عن يساري فلم أر شيئا فنظرت من خلفي فلم أر شيئا ، فرفعت رأسي فرأيت شيئا بين السماء والأرض » أي وفي رواية « فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي » زاد في رواية « متربعا عليه » وفي لفظ « على عرش بين السماء والأرض » فرعبت منه ، فأتيت خديجة فقلت : دثروني دثروني » أي وفي رواية « زملوني زملوني ، وصبوا عليّ ماء بارد فدثروني وصبوا عليّ